الشيخ محمد الصادقي الطهراني

43

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وتراه كان مشتبهاً بشبهة الآكل والمأكول كما تلمح الرواية ؟ كلا ! حيث الجواب « فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ . . . » ليس فيه خلطهن بعد تقطيعهن ، مهما تستفاد من ذلك الإحياء - / ضمنياً - / الإجابة الوافية عن الشبهة . وقد يقرب أن تطلبه هذا كان بمرأى نمرود بعد تدجيله في حجاجه ، لكي يريه إبراهيم أن القصد من إحياء الموتى هو ما يريد ربه لا ما افتعله نمرود وكثير مثله يفعلون مثله . فقد تطلّبه في ذلك الموقف الحرج المرج بالنسبة لأهل الموقف ، لكي يريهم عدم وهن حجاجه ، وأن انتقاله إلى أخرى لم يكن إلا لغباوة نمرود وتجاهله عن حقيقة الأمر . وقد يبعده أن ذلك المجال العجال ما كان يسع فسحة ذلك الإحياء ، إمالة للطير إليه ، ثم جعل أجزائهن المتفرقة على كل جبل ، ثم دعوتهن ليأتينه سعياً ، اللهم إلا لمن واجه واقع القصة على طَولها وطُولها ! ولكن « ثم أجعل على كل جبل . . . . » يبعده ثانية فإن بابل ليست تحمل جبالًا ، فقد كانت القصة بعد انتقاله إلى سوريا والأردن . أو أنه سأله تعالى تساءلًا عنه من قومه ، ليروا بأم أعينهم كيف تحيى الموتى ، ولكن « تحيي » تمنع أن يكون هو السبب ، فإنما ذلك هو هوامش السبب والأصل هو رؤية الملكوت . وقد يجمع إلى كل هذه أن احياءَ الموتى بدعاءِه ثم دعوته كان من آيات رسالته ، تقوية للمؤمنين ، وحجة بالغة على الناكرين . وعلى أية حال لم يكن هنا أو هناك شك في إحياء الموتى حتى يُطلب بعيانه بيانُه وانتقال إلى اليقين ، فهناك « أنى » سؤالًا عن زمانه دون أصله ، وزمان الإحياء مجهول لدى الكل ، وهنا « كيف » سؤالًا عن كيفية وليس إلا بعد العلم بأصله ، والعلم بالكيفية محجوب